
الصحفي محمد رائد كعكة
منذ سقوط نظام بشار الأسد ووصول أحمد الشرع إلى سدة الحكم في سوريا، لم ينقسم السوريون داخل البلاد فقط، بل امتدت حالة الاستقطاب إلى الجاليات السورية في أوروبا، وعلى رأسها الجالية السورية في هولندا.
في هولندا تحديدًا، لم يعد النقاش يدور فقط حول السياسة السورية، بل تجاوز ذلك إلى سؤال أعمق وأكثر حساسية: لمن أصبح الانتماء الحقيقي؟ لسوريا الجديدة بقيادة “أحمدنا”؟ أم لهولندا التي منحت الأمان والجنسية والاستقرار تحت ظل “وليامنا”؛ أي الملك ويليام ألكسندر؟
السوريون في هولندا… أكثر من جالية واحدة
من الخطأ التعامل مع السوريين في هولندا وكأنهم كتلة متجانسة. فالحقيقة أن هناك “سوريات” متعددة داخل المجتمع الهولندي.
الفئة الأولى هي السوريون الذين قدموا قبل عام 2011. غالبيتهم جاءوا كطلاب جامعات أو باحثين عن فرص علمية ومهنية، ثم استقروا، تزوج كثير منهم من هولنديات، وحصلوا على الجنسية الهولندية منذ سنوات طويلة. أبناؤهم اليوم يتحدثون الهولندية أكثر من العربية، وبعضهم بالكاد يعرف شيئًا عن سوريا سوى الذكريات والصور القديمة.
هذه الفئة اندمجت بالكامل تقريبًا في المجتمع الهولندي، وبات انتماؤها العملي والقانوني والثقافي أقرب إلى هولندا من أي مكان آخر.
أما الفئة الثانية، فهي السوريون الذين وصلوا بعد عام 2011 هربًا من بطش النظام السابق والحرب والانهيار. وهؤلاء بدورهم ليسوا على صورة واحدة.
فمنهم من حصل على الجنسية الهولندية وأعاد بناء حياته، ومنهم من مُنع من التجنيس بسبب مشاكل قانونية أو ملفات جنائية، ومنهم من لا يزال ينتظر اكتمال سنوات الإقامة المطلوبة للتقدم بطلب الجنسية.
وبين هؤلاء جميعًا تتفاوت مشاعر الانتماء بشكل حاد: هناك من يرى في هولندا وطنًا نهائيًا، وهناك من لا يزال يعتبر نفسه “ضيفًا مؤقتًا” مهما طالت السنوات.
من “أحمدنا” إلى “وليامنا”
بعد وصول أحمد الشرع إلى السلطة، ظهر انقسام واضح بين السوريين في المهجر. قسم كبير تعامل مع التغيير بعاطفة جياشة، واعتبر أن مجرد سقوط نظام الأسد كافٍ لمنح الشرعية المطلقة للرئيس الجديد. فتحول اسم “أحمدنا” إلى شعار سياسي وعاطفي، وكأن السوريين وجدوا أخيرًا “المنقذ” الذي طال انتظاره.
في المقابل، بقي آخرون متوجسين من ماضي الرجل وخلفيته الفكرية والسياسية، معتبرين أن تغيير الأشخاص لا يعني بالضرورة تغيير الدولة.
ومع مرور الوقت، بدأ بعض السوريين — خصوصًا المجنسين هولنديًا — يردّون بسخرية على خطاب “أحمدنا” بعبارة: “وليامنا”. وكأنهم يقولون بشكل غير مباشر: الدولة التي منحتنا الحقوق والحريات والكرامة هي الدولة التي نستحق أن ننتمي إليها، لا دولة ما تزال غارقة في الفوضى والصراعات.
خيبة أمل تتوسع
الكثير من السوريين الذين استبشروا بالتغيير بدأوا يفقدون الثقة تدريجيًا بالرئيس أحمد الشرع، ليس بسبب حملات إعلامية مضادة، بل بسبب غياب التغيير الملموس على أرض الواقع.
فالسوري البسيط لم يشعر حتى الآن بتحسن حقيقي في حياته اليومية، لا اقتصاديًا ولا قانونيًا ولا سياسيًا. الوجوه القديمة اختفت، لكن العقلية بقيت كما هي في نظر كثيرين.
ذهب رجال النظام السابق، ليحل مكانهم رجال بلحى طويلة وخطابات مختلفة، لكن من دون تغيير جذري في بنية الدولة أو القوانين أو أسلوب الحكم.
وبات هناك شعور متزايد بأن الأولوية ليست لبناء دولة مواطنة ومؤسسات، بل لتثبيت حكم أحمد الشرع وإحكام السيطرة السياسية تحت عناوين جديدة.
أزمة انتماء أم واقعية جديدة؟
ربما لا تكون القضية الحقيقية هي الاختيار بين “أحمدنا” و”وليامنا”، بل التحول العميق الذي أصاب مفهوم الانتماء لدى السوريين أنفسهم.
فجيل اللجوء السوري في أوروبا يعيش اليوم صراعًا داخليًا معقدًا: هل يبقى وفيًا لوطن أنهكه الاستبداد والحروب والانقسامات؟ أم يمنح ولاءه الكامل لبلد احتضنه ومنحه فرصة حياة جديدة؟
الجواب ليس بسيطًا، وربما لا يوجد جواب واحد أصلًا.
لكن المؤكد أن السنوات القادمة ستكشف إن كان السوري في أوروبا سيبقى معلقًا بين هويتين، أم أنه بدأ بالفعل يكتب هوية جديدة… لا تشبه سوريا التي تركها، ولا تذوب بالكامل في أوروبا التي استقبلته.





